اوقات النوم الصحيحة

في هذا الركن من العالم حيث نعيش نجد أن معظم المساكن تحتوى على غرف للنوم، أعنى غرف خاصة ينام فيها الناس. ( 10 ) ومع ذلك فإن هذه ظاهرة حديثة نسبيا. وانك لتجد أن كثيرا من الناس ظلوا حتى وقت متأخر من العصور الوسطى في أوروبا ينامون في غرفة كبيرة واحدة لم تقتصر على استخدامها غرفة نوم فقط بل إنها كانت تؤدى أغراضا أخرى كذلك. وكان الخدم كثيرا ما ينامون إلى جوار أسيادهم، وذلك حتى يتسنى لهم القيام على خدمتهم وأداء ما يطلبون إليهم من أعمال في كل الأوقات. ثم ظهرت الغرف المنفصلة المخصصة للنوم أول الأمر في أوروبا في قصور الملوك. ومن أكثر غرف النوم هذه شهرة غرفة نوم ملك فرنسا، لويس الرابع عشر التي لم يقتصر الأمر على أنها تتوسط القصر ذاته، ولكنها كانت .ثابة مركز للقوة يحكم منها الملك ويفرض سيطرته. وقد كان ” استيقاظ الملك” في كل صباح، وهو المناسبة أو الاحتفال الذي يستقبل فيه الملك من يشاء وهو لا يزال راقدا في سريره، يعد أهم الوقائع الاجتماعية في حياة القصر اليومية. ثم انتقلت عادة تخصيص غرفة مستقلة للنوم إلى الطبقات الأرستقراطية، ولكنها لم تظهر في بيوت أهل الطبقات المتوسطة إلا فيما بعد.
بل إن تدابير النوم كانت تمثل مشكلة أحيانا في فنادق العصور الماضية. من ذلك مثلا أن عالم الاجتماع الأ لماني بيترجلايشمان ( (Peter Gleichmann يحكى لنا عن بعض منتجعات المياه المعدنية في أ لمانيا في القرن السابع عشر حيث “كان نصف نزلاء الفندق فقط ينامون إلى منتصف الليل بسبب قلة الأسرة ; ثم ينام بدلا منهم بعد ذلك النصف الآخر الذين يظلون يتسامرون وينشطون إلى أن يحين دورهم في النوم”. وفي المناطق الزراعية الريفية نجد أن عادات النوم القد .ة قد اندثرت. فقد روى جلايشمان من تقرير عن الفلاحين في منطقة بريتون ( Breton ) في القرن التاسع عشر; أمورا عدة من بينها أن كل أعضاء الأسرة والخدم اعتادوا النوم في غرفة كبيرة واحدة. كما كان المسافرون الذين .رون بالمنطقة يدعون إلى ضيافة الأسرة بأن يقدم لهم مكان للنوم في نفس السرير المشترك.

الرجال والسيدات وعادات النوم

ولعلنا نستطيع أن نلاحظ تزايد الانفصالية الاجتماعية فيما بين الرجال والنساء في القرن التاسع عشر في أمر آخر هو عادات النوم. فقد كان لسيد البيت وسيدة البيت في الأسر الغنية غرف نوم مستقلة في أغلب الأحيان، بينما كان للأطفال غرفة أخرى خاصة بهم. وفي بعض الأحيان كنت تجد غرفة خاصة “للأبناء الذكور” وأخرى مستقلة للبنات. ووجدنا أن غرف النوم التي كانت فيما مضى غرفا شائعة يغشاها الآخرون في سهولة قد أصبحت الآن مبعدة قد ضربت عليهم الخصوصية والانفرادية والعزلة وأصبحت غير مستباحة. كما ينعكس هذا التغيير في الاتجاهات في التدابير التي تتخذ في الفنادق والمستشفيات حيث أخذت غرف النوم المشتركة الشائعة تقل وتتناقص، بينما تتزايد الغرف المفردة المنفصلة. وإذا كانت أماكن النوم قد ازدادت القيود المتصلة بها الآن عن ذي قبل،
فإن ذلك هو ما حدث أيضا بالنسبة لأوقات النوم. وفي ذلك يشير جلايشمان إلى بعض الصور التي يرجع تاريخها إلى نهايات العصور الوسط-تلك اللوحات الفنية التي تنتمي إلى المدرسة الهولندية مثلا-والتي نرى فيها الناس ينامون أثناء النهار إلى جوارالمنازل أو الطرق أو الحقول. بل إن من يسافر في أيامنا هذه إلى بلاد مثل الهند كثيرا ما يروعه عدد الناس الذين يراهم المرء وهم ينامون في العراء أثناء النهار. وعلى خلاف ذلك نجد أن الشعور ساد وانتشر في أوروبا والبلاد الغربية أن من غير اللائق أن ينام المرء في بعض الأوقات المعينة أو الأماكن المعينة. مثال ذلك أن النوم في الشوارع أو الأماكن العامة الأخرى يعد مخالفة للنظام وأن من يفعل ذلك يتوقع أن يوقظه رجال الشرطة، وأن يطالبوه بالانصراف والتوجه إلى مكان آخر. وفي المدن الكبرى مثل باريس نجد عادة النوم تحت الجسور وفي محطات مترو الأنفاق من جانب المتشردين أمر يتغاضى عنه الناس على مضض. ولكنك تجد من الناحية الأخرى أن من المقبول تماما أن يستسلم الناس من الطبقة الاجتماعية العليا للإغفاء والنعاس عندما يركبون وسائل الانتقال العامة مثل القطارات والطائرات.

النوم أثناء النهار

وقد اتخذ آيفان جونشاروف ( Ivan Goncharov) صاحب الرواية الروسية الشهيرة التي كتبت في القرن التاسع عشر وهي رواية أو بلوموف (،(Oblomov
تلك الرواية التي أصبحت عملا أدبيا كلاسيكيا، موضوعا له في هذه الرواية هو النوم أثناء النهار، تلك العادة التي نراها رمزا للكسل والخمول.” لم يكن الرقاد ضرورة بالنسبة لأوبلوموف، كما هو الحال بالنسبة لمنكان مريضا أو يغلبه النعاس، ولم يكن أمرا يفرضه التعب أو رغبة الخاملفي الاستمتاع، وإنما كان الرقاد بالنسبة له هو الحالة السوية العادية. كانإذا وجد نفسه في بيته-وقليلا ما كان يغادره-يعمد إلى الرقاد، دائما فينفس الغرفة التي وجدناه بها، تلك الغرفة التي يتخذ منها غرفة للنوم
والقراءة والاستقبالات 12).” )
وبطل القصة أو الرواية يقضي حياته بأسرها في السرير، بينما يحاول
أصدقاؤه جاهدين ولكن عبثا أن يقنعوه .زايا العمل والسعي في الحياة.
الأفكار التي عرضناها في هذا الفصل قصدنا منها إلى أن تبين ولوبصفة إجمالية، أن هناك جوانب غير علمية من موضوع النوم لها طرافتهاوفائدتها، سواء أكانت تتصل بتاريخ الحضارات أو باللغويات أو بعلم الاجتماع
أو .جالات التخصص الأخرى. ولكن الفصول التالية سوف تركز على
التطورات والجديد في مجال الأبحاث الحديثة في النوم، تلك الأبحاث
التي تدور بصفة أساسية في نطاق العلوم الطبيعية.